الرحالة والرسام وعالم الجغرافيا ومهندس خريطة العالم الشريف الادريسي

 

اَلشَّرِيفُ اَلْإِدْرِيسِي.

هُوَ أَبُو عَبْدِ اَللَّهْ مُحَمَّدْ الْإِدْرِيسِي الْقُطْبِي اَلْحُسْنِي السَّبْتِي. وُلِدَ فِي مَدِينَةِ سَبْتَةَ عَامَ 1100 مِيلَادِيَّة حَيْثُ اسْتَقَرَّ جَدَّهُ بَعْدَ فِرَارِهِ مِنْ مَلَقَا عَامَ 1057 مِيلَادِيَّة. 

دَرَسَ لِعِدَّةِ سَنَوَاتٍ فِي جَامِعَةِ قُرْطُبَةَ بِإِسْبَانْيَا. وَالْمَعْرُوفَةُ أَيْضًا وَقْتَذَاكْ بِاسْمِ الْأَنْدَلُسْ وَالَّتِي اشْتَهَرَتْ بِعُلَمَائِهَا الْمُسْلِمِينَ الْإِسْبَانِ.

 قَضَى اَلْكَثِيرَ مِنْ حَيَاتِهِ الْمُبَكِّرَةِ فِي السَّفَرِ عَبْرَ إِسْبَانْيَا وَشَمَالِ إِفْرِيقِيَا لِاكْتِسَابِ الْمَعْرِفَةِ اَلْجُغْرَافِيَّةِ حَوْلَ الْمَنَاطِقِ. وسَافَرَ إِلَى الْأَنَاضُولِ أَوْ آسْيَا اَلصُّغْرَى عِنْدَمَا كَانَ بِالْكَادِ فِي اَلسَّادِسَةِ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِهِ . حَيْثُ قَامَ بِتَغْطِيَةِ الْمَنَاطِقَ الْإِسْلَامِيَّةَ فِي أَجْزَاءٍ كَثِيرَةٍ مِنْ أُورُوبَّا فِي رَحَلَاتِهِ الَّتِي شَمِلَتْ جِبَالَ الْبَرَانِسِ وَالسَّاحِلِ الْفَرَنْسِي عَلَى اَلْمُحِيطِ الْأَطْلَسِي وَالْبُرْتُغَالْ وَالْمَجَرْ وَيُورْكْ فِي إِنْجَلَتِرَا. 

تَمَكَّنَ مِنْ إِنْشَاءِ خَرِيطَةٍ تَقْرِيبِيَّةٍ لِلْعَالَمِ بِأَسْرِهِ بِالْمَعْلُومَاتِ اَلَّتِي جَمَعَهَا مِنْ أَسْفَارِهِ فِي أُورُوبَّا وَآسْيَا وَأَفْرِيقْيَا. اِنْتَقَلَ إِلَى صِقِلِّيَّةَ  حَيْثُ كَانَتِ الْبِيئَةُ فِي اَلْأَنْدَلُسْ غَيْرَ مُسْتَقِرَّةٍ وَمَلِيئَةٍ بِالصِّرَاعَاتِ. وَهُنَاكَ اِنْضَمَّ إِلَى أَبُو اَلسَّلْطْ وَمُعَاصِرِينَ آخَرِينَ. رَحَّبَ بِهِ اَلنُّورْمَانْدِيُّونَ اَلَّذِينَ أَطَاحُوا بِالْعَرَبِ الْمُوَالِينَ لِلْفَاطِمِيِّينَ. وَسَمَحُوا لِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ بِالْبَقَاءِ مُقَابِلَ الْمَعْرِفَةِ الَّتِي قَدَّمُوهَا.

 اسْتَخْدَمَ الْإِدْرِيسِي الْمَعْلُومَاتْ الَّتِي جَمَعَهَا اَلْمُسْتَكْشِفُونَ وَالتُّجَّارْ الْإِسْلَامِيِينْ وَالْخَرَائِطَ الْإِسْلَامِيَّةَ وَالْمُسَافِرِينَ اَلنُّورْمَانْدِيِينَ وَمَعْرِفَتِهِ الْخَاصَّةَ أَثْنَاءَ سَفَرِهِ فِي إِفْرِيقِيَا وَالشَّرْقِ اَلْأَقْصَى وَمَنَاطِقِ اَلْمُحِيطِ اَلْهِنْدِيِّ لِإِنْشَاءِ أَدَقِّ الْخَرَائِطِ الَّتِي تَمَّ الْعُثُورُ عَلَيْهَا خِلَالَ الْفَتْرَةِ اَلسَّابِقَةِ قَبْلَ الْعَصْرِ الْحَدِيثُ .

 مَكَثَ فِي بَلَاطِ اَلْمَلِكِ اَلنُّورْمَانْدِي رُوجَرْ الثَّانِي مَلِكَ صِقِلِّيَّةَ لِمُدَّةِ ثَمَانِيَةِ عَشَرَ عَامًا.

 وَفِي العَامِ 1154  أَنْشَأَ خَرِيطَةً لِلْمِنْطَقَةِ اَلْأُورَاسِيَّةِ تَحْتَوِي عَلَى جُزْءٍ مِنْ شَمَالِ إِفْرِيقِيَا وَغَرْبِ آسْيَا وَجَنُوبِ أُورُوبَّا لِلْمَلِكِ . تَمَّ إِنْشَاءَ اَلْخَرِيطَةِ عَلَى قُرْصٍ فِضِّيٍّ خَالِصٍ. يَبْلُغُ قُطْرُهُ حَوَالَيْ 80 بُوصَةٍ. وَيَزِنُ حَوَالَيْ 300 رِطْلًا. وَكَانَ مَكْتُوبًا عَلَيْهَا  أَسَاطِيرْ  بِاللُّغَةِ اَلْعَرَبِيَّةِ . يُعْرَفُ الْكِتَابُ الْمُصَاحِبُ لِلْخَرِيطَةِ بِاسْمِ:  كِتَابُ رُوجَرْ  .

 لَقَدْ صَحَّحَ اَلتَّفْسِيرُ اَلْخَاطِئُ لِلْمُحِيطِ اَلْهِنْدِيِّ الْمُحَاطِ بِالْأَرْضِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ. وَالْمَفْهُومِ الْخَاطِئِ بِأَنَّ بَحْرَ قَزْوِينْ كَانَ جُزْءًا مِنْ اَلْمُحِيطِ اَلْأَكْبَرِ . كَمَا حَدَّدَ مَسَارَ نَهْرِيْ اَلدَّانُوبْ وَالنِّيجَرْ فِي خَرَائِطِهِ . فِي رَأْيِهِ كَانَ نِصْفُ الْكُرَةِ الأرضيةِ الْجَنُوبِيِّ حَارًّا جِدًّا لِدَرَجَةِ أَنَّهُ كَانَ صَالِحًا لِلْإِعْمَار. 

غَادَرَ صِقِلِّيَّة عَامَ 1161 عَلَى اَلْأَرْجَحِ بِسَبَبِ أَعْمَالِ العُنْفِ ضِدَّ الْمُسْلِمِينَ. فِي وَقْتٍ لَاحِقٍ رَسَمَ خَرِيطَةً لِلْعَالَمِ عَلَى كُرَةٍ تَزِنُ حَوَالَيْ 400 كِيلُوغْرَامٍ . سَجَّلَ عَلَيْهَا الْقَارَّاتِ السَّبْعِ بِمُدُنِهَا اَلرَّئِيسِيَّةِ وَأَنْهَارِهَا وَبُحَيْرَاتِهَا وَطُرُقِهَا اَلتِّجَارِيَّةِ. كَانَتِ الْخَرِيطَةُ اَلْأَكْثَرُ دِقَّةً الَّتِي تَمَّ إِنْشَاؤُهَا فِي الْعُصُورِ اَلْوُسْطَى. قَامَ بِدَمْجِ خَمْسِ مَنَاطِقَ مُنَاخِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي خَرِيطَتِهِ  وَاحِدَةً حَارَّةً  وَاِثْنَتَانِ مُعْتَدِلَتَانْ وَمِنْطَقَتَانِ بَارِدَتَانِ. خِلَافًا للِاعْتِقَادِ السَّائِدِ فِي الْعَالَمِ الْمَسِيحِيِّ بِأَنَّ الْأَرْضَ عِبَارَةٌ عَنْ تَشْكِيلٍ شَبِيهٍ بِالصَّفَائِحِ اَلْمُسَطَّحَةِ. 

كَانَ مُحَمَّدْ اَلْإِدْرِيسِ أَوَّلَ شَخْصٍ يَدَّعِي أَنَّ اَلْأَرْضَ كَانَتْ كُرَوِيَّةً. وَالْمِيَاهُ مُلْتَصِقَةٌ بِسَطْحِهَا ، وَمُحَاطًا بِغِطَاءٍ مِنْ اَلْهَوَاءِ . اِسْتَوْحَى اَلْجُغْرَافِيُّونَ اَلْإِسْلَامِيُّونَ كَاِبْنْ خَلْدُونْ وَابْنُ بُطُّوطَةَ مِنْ الْخَرَائِطِ اَلَّتِي رَسَمَهَا مُحَمَّدْ اَلْإِدْرِيسِي . واعْتَمَدَ اَلْمُسْتَكْشِفُونَ مِثْلُ فَاسْكُو دَا جَامَا وَكِرِيسْتُوفَرْ كُولُومْبُوسْ علَى الْخَرَائِطَ اَلَّتِي رَسَمَهَا الإدريسي قَبْلَ الْبَدْءِ فِي رِحْلَاتِهِمْ. 

يُقَدِّمُ عَمَلُهُ اَلشَّامِلُ بِعُنْوَانِ. رَوْضُ النَّاس وَنُزْهَةُ اَلنَّفْس اَلْكَثِيرَ مِنْ اَلتَّفَاصِيلِ اَلدَّقِيقَةِ حَوْلَ اَلسُّودَانِ وَالنِّيجِر فَوْق تَمْبَكْتُو وَنَهْرَ اَلنِّيلِ. وَصَحَّحَ الْأَخْطَاءَ اَلسَّابِقَةَ حَوْلَ مَوْقِعِ اَلْبُحَيْرَاتِ مِنْ حَيْثُ بَدَأَ النِّيلُ رِحْلَتَهُ وَالْمَسَارَ الَّذِي سَلَكَهُ .

 لَا تَخْتَلِفُ تَصْوِيرَاتُهُ اَلسَّابِقَةَ لِلنَّهْرِ كَثِيرًا عَنْ اَلْخَرِيطَةِ اَلْحَدِيثَةِ . اِعْتُبِرَتْ خَرَائِطَهُ مِعْيَارًا لِمَا يَقْرُبُ مِنْ ثَلَاثَةِ قُرُونٍ .

تَمَّتْ تَرْجَمَةَ نُسْخَةٍ مُخْتَصَرَةٍ مِنْ  كِتَابْ نُزْهَةُ المُشْتَاق فِي ذِكْرِ الْأَمْصَارِ وَالْأَقْطَار والبُلْدَان

 وَالجُزُر وَالْمَدَائِنِ وَالْآفاق إِلَى اَللَّاتِينِيَّةِ وَنُشِرَتْ فِي رُومَا بِاللُّغَةِ اَلْإِنْجِلِيزِيَّةِ عامَ 1592 م ،

 وإِلَى اَلْفَرَنْسِيَّةِ أيْضًا ونُشِرَتْ فِي بَارِيس عَامَ 1619. وكتبَ كتابًا سَرْدِيًّا تَفْصِيلِيًّا لِلنَّيْجَرِ

 وَالسُّودَانِ وَمِصْرَ وَخَاصَّةَ نَهْرَ اَلنِّيلِ وسَمّاهْ: رَوْضُ النَّاس وَنُزْهَةُ اَلنَّفْس . كَمَا كَتَبَ كُتُبًا

 عَنِ اَلْحَيَوَانَاتِ وَعَلِمْ اَلْحَيَوَانْ وَكَانَ شَاعِرًا بَارِعًا .

تُوُفِّيَ مُحَمَّدْ اَلْإِدْرِيسِي فِي سَبْتَة سَنَةَ 1166 . مُخَلِّفًا وَرَاءَهُ إِرْثًا تَارِيخِيًّا مَازَالَ يُعْتَبَرُ لِحَدِّ الآنْ مَرْجِعًا لِلْعَدِيدِ مِنَ الأَبْحَاثْ.